الشيخ محمد هادي معرفة
163
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أي السُلَّم إليه . ومعلوم أنّه الغِناء المعهود آنذاك . ولا يخفى أنّ الحكم الشرعي إذا تعنون - في لسان الشريعة - بعنوان خاصّ فإنّه يتقيّد به لا محالة ، ولا يكون على إطلاقه . ذلك لأنّ تعليق الحكم على وصف مشعرٌ بعلّيته ، وعليه فلا يكون الغناء بوصفه الأوّلي محرّما إلّا إذا تعنون بهذه العناوين : إذا كان لهويّا أو عاملًا انحرافيا أو باعثا على المعاصي من النفاق والكذب والزناء والفحشاء وما شابه . . . فليس محرّما على إطلاقه ، هذا ما تقتضيه قواعد علم الأصول . وفي حديث ابن أبي عبّاد - وكان مستهترا بالسماع ويشرب النبيذ - سأل الإمام الرضا عليه السلام عن السماع ؟ فجعله الإمام عليه السلام في حيّز الباطل واللهو . . . ثمّ تلا قوله تعالى : « وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً » . « 1 » لاشكّ أنّ الجواب ناظر إلى ما كان ابن أبيعبّاد مستهترا به . وهكذا في سؤال هشام بن إبراهيم العباسي - وكان من رجال الدولة المستهترين بالسماع والملاهي - عن الغناء : فقال الإمام : إنّ رجلًا أتى أبا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء ، فقال : يا فلان إذا ميّز اللّه بين الحقّ والباطل فأين يكون الغناء ؟ قال : مع الباطل . فقال : قد حكمت . « 2 » فالقرائن المقامية تدلّنا على إرادة الغناء المعهود ذلك الوقت . وأمّا حديث الحسن بنهارون « 3 » - كان يطيل الجلوس في بيت الخلاء ليستمع إلى غناء المغنّيات في جيرانه - فالحرمة فيه بيّنة ، إنّها بسبب استماع أصوات الأجنبيّات . ولاسيّما تلكم الأصوات الرقيقة المهيّجة لضمائر النفوس . وقد قال تعالى : « فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ » . « 4 » ومن ثمّ نهره الإمام عليه السلام ووبّخه على صنيعه هذا الذي يُشبه الخيانة في أعراض الناس ، مُذكِّرا له قوله تعالى : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا » . « 5 »
--> ( 1 ) - وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 229 ، رقم 19 ، والآية 72 من سورة الفرقان . ( 2 ) - المصدر : ص 227 ، رقم 13 ؛ والبحار ، ج 76 ، ص 243 ، رقم 14 . ( 3 ) - وسائل الشيعة ، ص 231 ، رقم 29 . ( 4 ) - الأحزاب 32 : 33 . ( 5 ) - الإسراء 36 : 17 .